كان فارس أحد تلك الشخصيات النادرة، و التي حالفني الحظ في اللقاء بها.
عندما تراه لأول مرة، يترك في نفسك انطباع غريب، لزج، عالي الالتصاق، و يتركك و أنت لا تعلم إن كنت تحبه أم تكرهه. كان مخالفاً لكل ما اعتدته في العامة من الناس، في حديثه، في لبسه، في عاداته و طقوسه اليومية، و في شكله، الذي لا يمكن تحديد سبب جاذبيته.
كان عالم أحياء، شغوف، و يتحدث بحرارة عن كل ما يمكن وصفه بكائن حي. كان صريحاً إلى درجة تدنو من الفظاظة، لولا ابتسامته التي لها مفعول الماء على نار سخط من يستقبل كلماته الجارحة.
كان من تواضعه ليحمرّ خجلاً من هذا الكلام الذي أقوله الآن، و كان بقدر صراحته الفظة، كريماً معطاءً، و خجول إلى درجة الجبن حينما يتعلق الأمر بأي أنثى، و أكاد أقول، من أي جنس من الكائنات.
كذلك كان صديقي فارس، المثال الحي لكل ما لن أستطيع أن أكونه، و رمز الأمل – بالنسبة لي على الأقل – في طيبة البشر .
كانت لنا أحاديث طويلة في ليال الصيف الحارة، حيث كنّا بعد أن يتم كل منّا من أشغاله، نلتقي في بيت أحدنا أو في مقهى ما ، نتحدث عن أي شيء و كل شيء . كان مبدعاً في حديثه، مثيراً في مواضيعه، و كان يستمع بقدر ما يتكلم ، ذاك الأمر الذي افتقده اليوم أكثر من أي شيء.
قد يقول أحدكم بأني قد أكثرت من الثناء على صديقي، و بأن “القرد في عين أمه غزال” ، و قد تكون هذه هي الحقيقة، و لكني أشك بأني قد أعطيته حقه من الثناء، بالرغم من كوني قد أغرمت به .
ذات يوم كنت أنا و الأسطورة فارس، نتحدث عن موضوع ما، قد يكون حدث سياسي معين، أو مصير شواطئنا في السنوات القادمة. ثم سكتنا لبرهة، يتأمل كل منا فيها جمجمته من الداخل، باحثاً عن معلومة طائشة قد تسري بالحديث إلى الأمام. عندها سبقني و قال : ” قل لي، هل في رأيك بأن البشر بطبيعتهم أشرار ؟ ” .
قمت بإيماءة مفادها بأني لا أعلم حقاً.
فاسترسل قائلاً : ” لماذا عندما تدرك بأن شخص ما لا يسمعك، تختار أن تسبه على سبيل المزاح ؟ . لماذا يقوم الأطفال بكل ما نمنعهم عنه بمجرد أن يبتعدوا عن ناظرنا ؟ . لدينا ميول جارف لتلك الأشياء التي نرى بأنها خاطئة، أو على الأقل، تلك التي منعنا من فعلها، بالرغم من كونها غير ضرورية لبقائنا، بل أحياناً، تكون معاكسة تماماً لغرض البقاء …”
هنا تركته يسرح، بالرغم من كوني لا أوافقه في نظرته، و لكني قررت أن استمتع بحديثه السهل، و صوته الهادئ، في سكون الليل ..
” أقدم أمثلة ميول الإنسان للمعصية هو قصة آدم و حواء، و التي ترمز حقاً لتأصل طبيعة حب الممنوع في غريزتنا كبشر. و حيواتنا جميعاً هي تكرار لقصة آدم و حواء، و رغبتهم التي دفعتهم لترك كل شيء في أثر ذلك الممنوع. إنه تيار جارف، قد يكون دافعه الأساسي الشيطان، و قد يكون تلك الغريزة المتمردة، أو تحالف بين الاثنين … و في النهاية، لا أرى لأي شخص مفر من ذلك السقوط إلى الأرض، و لو لمرة واحدة في حياته.”
كانت هذه احد الأشياء الظريفة في صديقي، و هي إقراره لمثل هذه النظريات بطريقة تجعلك تعتقد بأنها الحقيقة الوحيدة، بيقين من عاش و رأى كل شيء، و هو لم يتجاوز الخامسة و العشرون .
اتكأ في كرسيه و نظر للسماء، و ابتسامة غامضة تعلو شفتاه . و بعد لحظات من الصمت و المزيد من التنقيب عن الأفكار، قال :
” هل شعرت يوماً بأنك مكتفي بما لديك ؟”
“همم؟ “
” اقصد، تخيل لو كنت محترفاً رياضياً – أعلم بأن ذلك من المستحيل بجسمك المترهل هذا و لكن تخيل معي للحظة – و بأنك قد فزت لتوك ببطولة العالم في لعبتك أياً كانت ، بعد عناء طويل و العديد من المحاولات الفاشلة. و تخيل بأنك وصلت لعمر لن يمكنك من الحصول على تلك البطولة مرة أخرى، في تلك الحالة ستأتيك فكرة الاعتزال، و رأينا ذلك مراراً و تكراراً في عالم الرياضة بالذات، حيث يعتزل الأبطال قبل أن يهزمهم أحد، تاركين أسمائهم مخطوطة بالذهب للأبد.
“أحيانا أفكر بأنه لا يمكنني أن أكون اسعد في الحياة، و بأني حقاً قد بلغت قمة ما يمكنني أخذه أو إعطاؤه ، و أتساءل حقاً عن جدوى الاستمرار في هذه اللعبة، و أنا أدرك بأنه لا يوجد اتجاه للذهاب سوى للأسفل . “
اعتدت على هذه التحولات الدرامية في مزاج صديقي، فأحد عيوبه هي ولعه الشديد بالنهايات المؤلمة على حد تعبيره . قلت :
” و لكن يا عزيزي، لا زلت صغيراً، و لا يزال هناك أشياء في الحياة لم تختبرها، و بلدان لم ترها، و زواج و أبناء، و كل تلك الأشياء التي تسمى بها الحياة، حياةً”
” أفكر في ذلك أحياناً، و لكني أخشى ما يسمى بطول الأمل. فالأمل الطبيعي شيء جميل، يلهمنا الاستمرار و التغلب على صعوبات الحياة، و لكن طول الأمل هو ما يبقينا في الشعور بعدم الرضا، و الأمل و تمني ما هو أكثر، و أفضل، و سعينا وراء ذلك الشيء الذي لن نناله، و إن نلناه، سنتمنى ما هو أكثر منه. إلى أن ينتهي عمرنا و نحن نتمنى.
” على المرء أن يبقى قنوعاً، و يشكر خالقه على ما هو فيه. هذا ليس كلام شخص يريد أن يموت، بل هو كلام شخص تعب من عمل يوم طويل، و يفكر حقاً في التقاعد.”
ضحكنا معاً و قمنا ليذهب كل منا إلى بيته … سيبقى حديثه تلك الليلة، محفوراً في ذاكرتي للأبد.
التصنيف: قصص |